علوم

كيف نرى الألوان؟ رحلة الضوء من العين إلى الدماغ

📷 Mypointofview · Pexels

✦ أهم النقاط

  • العين البشرية تستقبل فقط جزءاً صغيراً من الطيف الكهرومغناطيسي يسمى الضوء المرئي، بين 380 و700 نانومتر تقريباً
  • الشبكية تحتوي على نوعين من المستقبلات الضوئية: نحو 120 مليون عصية للرؤية في الإضاءة الخافتة، ونحو 6 ملايين مخروط للرؤية اللونية في الإضاءة الساطعة
  • ثلاثة أنواع من المخاريط (S وM وL) حساسة لأطوال موجية مختلفة تقريباً بالأزرق والأخضر والأحمر، والدماغ يمزج نسب تنشيطها ليكوّن كل الألوان
  • عمى الألوان الوراثي يصيب نحو 8% من الرجال ونحو 0.5% من النساء، وغالباً ما يكون بسبب خلل في المخاريط الحساسة للأحمر أو الأخضر

الضوء نفسه لا لون له

قد تبدو هذه الجملة غريبة، لكنها حقيقة علمية أساسية: الضوء المرئي هو مجرد موجات كهرومغناطيسية تحمل طاقة، وليس فيها أي لون بالمعنى الذي نفهمه. ما نسميه اللون هو تفسير يبنيه الدماغ اعتماداً على طول الموجة الضوئية التي تصل إلى العين. العين البشرية قادرة على استقبال نطاق ضيق جداً من هذا الطيف يمتد تقريباً من 380 نانومتر (وهو ما نراه بنفسجياً) إلى 700 نانومتر (وهو ما نراه أحمر). كل ما هو أقصر من ذلك، كالأشعة فوق البنفسجية، وكل ما هو أطول، كالأشعة تحت الحمراء، لا تستطيع عيوننا رؤيته على الإطلاق رغم أنه موجود حولنا باستمرار.

عندما يسقط الضوء على جسم ما، يمتص هذا الجسم بعض الأطوال الموجية ويعكس أطوالاً أخرى نحو أعيننا. التفاحة تبدو حمراء لأنها تمتص كل الأطوال الموجية تقريباً باستثناء تلك التي تقع في نطاق الأحمر، والتي تنعكس لتصل إلى شبكية عيننا. أي أن اللون في جوهره نتيجة تفاعل بين الضوء الساقط وخصائص السطح وطريقة معالجة الدماغ للإشارة، وليس صفة ثابتة كامنة في الجسم نفسه.

مخطّط الميزانية الشخصية

خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.

اعرف أكثر · $9

الشبكية: بوابة الضوء إلى الجهاز العصبي

في الجزء الخلفي من العين توجد طبقة رقيقة تسمى الشبكية، وهي في الحقيقة امتداد مباشر للدماغ خرج ليستشعر الضوء. تحتوي الشبكية على نوعين رئيسيين من الخلايا الحساسة للضوء تسمى المستقبلات الضوئية: العصيّ (Rods) والمخاريط (Cones). العصيّ شديدة الحساسية للضوء الخافت وتعمل بكفاءة عالية في الإضاءة المنخفضة كما في الغسق أو داخل غرفة مظلمة، لكنها لا تميز بين الألوان إطلاقاً؛ لهذا السبب تبدو الأشياء بدرجات من الرمادي في الظلام. أما المخاريط فهي المسؤولة عن الرؤية اللونية والتفاصيل الدقيقة، لكنها تحتاج إلى إضاءة أقوى نسبياً لتعمل بفعالية.

عدد العصيّ في الشبكية الواحدة يقدَّر بنحو 120 مليون خلية، بينما عدد المخاريط أقل بكثير، إذ يبلغ نحو 6 ملايين خلية فقط، وتتركز معظمها في منطقة صغيرة تسمى النقرة المركزية (Fovea) وهي المسؤولة عن أوضح جزء من رؤيتنا، وهو ما يفسر لماذا نحتاج إلى تحريك العين مباشرة نحو الشيء لرؤيته بوضوح تام.

المخاريط الثلاثة: أساس كل الألوان

الرؤية اللونية عند الإنسان تُعرف علمياً بأنها ثلاثية اللون (Trichromatic)، لأنها تعتمد على ثلاثة أنواع فقط من المخاريط، يختلف كل نوع منها في نوع الصبغة الحساسة للضوء التي يحملها وبالتالي في طول الموجة الذي يستجيب له بأقصى درجة. النوع الأول يسمى S نسبة إلى Short (قصير) ويبلغ ذروة حساسيته عند نحو 420 نانومتر أي في نطاق الأزرق، والنوع الثاني يسمى M نسبة إلى Medium (متوسط) وذروته عند نحو 534 نانومتر في نطاق الأخضر، والنوع الثالث يسمى L نسبة إلى Long (طويل) وذروته عند نحو 564 نانومتر وهو الأكثر استجابة في الجزء الأصفر المائل إلى الأحمر من الطيف.

المهم هنا أن كل نوع من المخاريط لا يستجيب لطول موجي واحد فقط، بل لنطاق واسع نسبياً مع ذروة عند طول معين، وهذه النطاقات الثلاثة تتداخل مع بعضها البعض بشكل كبير. فعندما يصل ضوء بطول موجي معين إلى الشبكية، تتنشط المخاريط الثلاثة بنسب متفاوتة، ويرسل كل نوع إشارة كهربائية بقوة تتناسب مع درجة تنشيطه. الدماغ يقارن نسب الإشارات الثلاث فيما بينها، ومن هذه المقارنة تحديداً يُستنتج اللون الذي نراه. اللون البنفسجي مثلاً ينتج عن تنشيط قوي للمخاريط الحساسة للأزرق مع بعض التنشيط للحساسة للأحمر.

النوع يقابله مكان التركيز العدد التقريبي الوظيفة الأساسية يميز الألوان؟
العصيّ (Rods) إضاءة خافتة أطراف الشبكية نحو 120 مليون الرؤية الليلية وكشف الحركة لا
مخاريط S أزرق (~420 نانومتر) موزعة، أقل كثافة جزء من 6 ملايين استشعار الأزرق نعم
مخاريط M أخضر (~534 نانومتر) مركزة في النقرة جزء من 6 ملايين استشعار الأخضر نعم
مخاريط L أحمر مائل للأصفر (~564 نانومتر) مركزة في النقرة جزء من 6 ملايين استشعار الأحمر نعم

من الشبكية إلى الإدراك في الدماغ

الإشارات الكهربائية الصادرة عن العصيّ والمخاريط لا تُفسَّر فوراً كألوان، بل تمر أولاً عبر شبكة معقدة من الخلايا داخل الشبكية نفسها، ثم تنتقل عبر العصب البصري إلى منطقة في الدماغ تسمى النواة الركبية الجانبية، وأخيراً إلى القشرة البصرية في الفص القذالي في مؤخرة الدماغ. هناك تُعالج الإشارات وفق ما يُعرف بنظرية الألوان المتضادة (Opponent Process Theory)، التي تفترض أن الدماغ يقارن الإشارات في أزواج متضادة: أحمر مقابل أخضر، وأزرق مقابل أصفر، وأبيض مقابل أسود. وهذا يفسر ظواهر مثل الصور الطيفية اللاحقة التي تراها العين بعد التحديق في لون معين لفترة ثم النظر إلى سطح أبيض.

هذه المعالجة المعقدة تعني أن اللون في النهاية تجربة ذهنية أكثر من كونها خاصية فيزيائية بحتة، وهو ما يفسر أيضاً بعض الخداعات البصرية التي يمكن فيها لنفس درجة اللون أن تبدو مختلفة تماماً حسب الألوان المحيطة بها.

عمى الألوان: عندما يختل التوازن

عمى الألوان، أو بشكل أدق نقص الرؤية اللونية، يحدث غالباً عندما يكون أحد أنواع المخاريط غائباً أو ضعيف الأداء أو مزاحاً في طيف حساسيته. الشكل الأكثر شيوعاً هو عمى الأحمر والأخضر، الناتج عن خلل في المخاريط M أو L، وهو حالة وراثية مرتبطة بالكروموسوم X، ولهذا يصيب الرجال بنسبة أعلى بكثير من النساء، إذ تُقدَّر نسبة انتشاره بنحو 8% بين الرجال مقابل أقل من 0.5% بين النساء. أما عمى الأزرق والأصفر الناتج عن خلل في مخاريط S فهو أندر بكثير ولا يرتبط بالجنس بنفس الطريقة. وفي حالات نادرة جداً يفتقر الشخص إلى المخاريط بالكامل فيرى العالم بتدرجات رمادية فقط، وهي حالة تسمى عمى الألوان الكلي.

م
فريق تحرير معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.

سياسة التحرير ←